ملا محمد مهدي النراقي
28
جامع الأفكار وناقد الأنظار
مرّ في المقدّمة الأولى - عبارة عن حضور المعلوم بعينه أو بصورته عند المجرّد الموجود القائم بذاته ، فإذا كانت الذات بعينها حاضرة عند الذات تكون الذات عاقلة للذات عالمة بها بالعلم الحضوري ؛ أمّا كون كلّ مجرّد قائم بذاته حاضرا عند ذاته غير غائب عنها فبديهي لا يقبل التشكيك ، لأنّ الشيء لا ينفكّ عن نفسه . قيل : إن أريد بالحضور ما هو المساوق للادراك أو الانكشاف وأمثالها ، فنمنع كون كلّ مجرّد قائم بذاته حاضرا بهذا المعنى عند ذاته ؛ وإن كان المراد منه ما هو الظاهر المتعارف - أي : غير المنفكّ وغير المتبادر وغير الغائب - ، فلا ريب انّ كلّ مجرّد قائم بذاته حاضر بهذا المعنى عند ذاته ؛ إلّا أنّ الحضور بهذا المعنى لا يستلزم الانكشاف ، فانّ كلّ شيء حاضر بهذا المعنى عند ذاته ، سواء كان قائما بذاته أو لا ، وسواء كان مجرّدا أم لا مع فقد الانشكاف . فان قيل : الأشياء على أربعة أقسام : الأوّل : ما ليس مجرّدا ولا قائما بنفسه - كالاعراض الجسمانية - ؛ الثاني : ما هو مجرّد غير قائم بذاته - كالصورة المعقولة للمجرّدات - ؛ والثالث : ما هو قائم بذاته غير مجرّد - كالجسم - ؛ والرابع : ما هو مجرّد قائم بذاته - كالواجب والعقول والنفس - . ولا ريب في أنّ الأقسام الثلاثة الأولى عالمة بذواتها ؛ بل التعقّل للذات مخصوص بالقسم الرابع ، فانّا ذكرنا في حدّ التعقّل انّه حضور المعلوم بعينه أو بصورته عند المجرّد القائم بالذات ، فالمراد بالحضور هو المعنى المتعارف . الّا أنّ استلزامه للانكشاف إنّما إذا حصل الشيء عند مجرّد قائم بذاته لا عند غيره ؛ قلنا : انّ استلزام حضور الشيء بهذا المعنى عند المجرّد القائم بذاته لانكشافه لديه لا بدّ له من دليل ، وبأيّ برهان نحن نعتقد ونقطع بانّ المناط في جواز العاقلية هو التجرّد والقيام بالذات والمناط في وقوعها هو تحقّق حضور شيء بالمعنى المذكور عند من حصل له التجرّد والقيام بالذات ؟ ! ، ولم لا يجوز أن يكون التعقّل مشروطا بأمر آخر ؟ ! ،